بصفتي متخصصاً في سوق العقارات وممثلاً لشركة ناس لكجري للعقارات، وبعد أن تجاوزت صفقاتي المغلقة حاجز المليار درهم، أتابع عن كثب التحولات المستمرة في مشهد العقارات في دولة الإمارات العربية المتحدة.
إن التقرير الأخير الصادر عن شركة «جيه إل إل» حول ديناميكيات سوق الإسكان في الإمارات للربع الثاني من عام 2026، إلى جانب تقارير أخرى من مؤسسات عريقة مثل «سافيلز»، يقدم لنا صورة واضحة: السوق لم يعد يعيش طفرة عشوائية، بل دخل مرحلة من النضج والاستقرار التي تخدم المستثمر الاستراتيجي طويل الأمد، وخاصة في قطاع العقارات الفائقة الفخامة.
في ناس لكجري للعقارات، ينصب تركيزنا دائماً على توجيه عملائنا من الأثرياء والشركات الدولية نحو الفرص التي لا تتأثر بالتقلبات المؤقتة. وما نشهده اليوم ليس أزمة، بل هو إعادة معايرة صحية للسوق.
الأرقام تحكي قصة تطبيع وليس انهياراً
أشار تقرير «جيه إل إل» بوضوح إلى أن أسعار البيع ومعدلات الإيجار تشهدان تباطؤاً متزامناً، مع تراجعات فصلية تعكس استمرار التعديل في السوق نتيجة تراجع زخم الطلب وزيادة المعروض.
ففي دبي، انخفض إجمالي حجم صفقات البيع بنسبة 28.6% في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالعام السابق. وتؤكد مصادر مستقلة هذا الاتجاه، إذ رصدت انخفاضاً في مبيعات العقارات السكنية بدبي بنسبة 16% على أساس سنوي، مما يشير إلى تحول من طفرة ما بعد الجائحة السريعة إلى مرحلة تبريد أكثر اعتدالاً واستدامة.
غير أن هذه الأرقام تستوجب قراءة متأنية. فسعر القدم المربعة في دبي لا يزال مرتفعاً بنسبة 6.5% على أساس سنوي، ويصف المحللون السوق بأنه يشهد «تطبيعاً لا تصحيحاً شاملاً».
ولا يزال قطاع المشاريع على الخارطة يهيمن على النشاط، إذ يمثل 75% من حجم المبيعات و73% من قيمتها في الربع. وانخفاض عدد الإطلاقات الجديدة في الربع الثاني، في نظري، هو تطور إيجابي يزيل الضجيج المضاربي من السوق.
أما أبوظبي، فتحكي قصة أكثر مرونة. إذ سجلت أسعار المبيعات فيها زيادات سنوية مزدوجة الرقم، وكان الأداء الأقوى في الشقق بنسبة 19.4% والتاون هاوس بنسبة 11.2%.
ورغم تباطؤ حجم المعاملات السكنية بنسبة 9% على أساس ربع سنوي إلى 7,129 صفقة، فإن النصف الأول من عام 2026 ظل قوياً بشكل استثنائي، مدعوماً بنشاط قياسي في مشاريع على الخارطة وطلب قوي من المستخدمين النهائيين.
وكما تشير «سافيلز»، فإن هذا التباطؤ لا ينبغي تفسيره على أنه ضعف في الطلب، نظراً للتأخر الطبيعي بين إطلاق المشاريع ونشاط المبيعات وتسجيل المعاملات.
يلخص الجدول التالي أبرز مؤشرات الأداء في الإمارتين:
| المؤشر | دبي – الربع الثاني 2026 | أبوظبي – الربع الثاني 2026 |
|---|---|---|
| إجمالي قيمة المبيعات | 87.9 مليار درهم | نمو ملحوظ في النصف الأول |
| التغير السنوي في حجم المعاملات | انخفاض 28.6% | مسار إيجابي في النصف الأول |
| نمو أسعار الشقق سنوياً | 2% إلى 6% – معتدل | 19.4% |
| نمو أسعار التاون هاوس والفلل سنوياً | الفلل الأعلى أداءً | 11.2% |
| تسجيلات الإيجار الجديدة سنوياً | انخفاض 1.1% إجمالاً | ارتفاع 6.5% للعقود الجديدة |
| الوحدات المتوقع تسليمها في النصف الثاني 2026 | نحو 28,300 وحدة | نحو 11,700 وحدة |
المصدر: جيه إل إل، ديناميكيات سوق الإسكان، الربع الثاني 2026؛ سافيلز، تقرير السوق السكني في أبوظبي، الربع الثاني 2026.
قطاع العقارات الفاخرة: ملاذ آمن في أوقات التحول
بينما قد تواجه العقارات المتوسطة ضغوطاً من ضخامة خط الأنابيب التطويري القادم، إذ يتوقع تسليم نحو 40,000 وحدة في أبوظبي ودبي خلال النصف الثاني من 2026، فإن قطاع العقارات الفاخرة وفائقة الفخامة يعمل وفق منطق مختلف تماماً.
فالمعروض في الشريحة الفعلية من الفخامة يبقى محدوداً، فيما يواصل الطلب المدفوع بهجرة الثروات والتنويع الاقتصادي وتدفق رؤوس الأموال الدولية دعم مستويات الأسعار.
المشترون اليوم باتوا أكثر انتقائية، ويفضلون العقارات التي تتمتع بآفاق تأجير أقوى، وسمعة مطور راسخة، وجداول تسليم واضحة.
وهذا الانتقاء ليس ضعفاً في السوق، بل هو علامة على نضجه. المشتري المضارب الذي كان يلاحق أي وحدة متاحة خلال طفرة الفترة من 2021 إلى 2025 قد تراجع إلى حد بعيد، تاركاً المجال للمستخدمين النهائيين الحقيقيين والمستثمرين المدركين، وهم تحديداً العملاء الذين تخدمهم ناس لكجري للعقارات.
في هذا المناخ، يصبح دور الوسيط العقاري المتخصص في الفخامة لا غنى عنه.
فالتنقل بين أفضل المناطق في أبوظبي للعقارات الفاخرة، وتحديد الفرص الصحيحة في سوق إعادة البيع الفاخرة، واستقطاب مشاريع الفخامة على الخارطة، كل ذلك يستلزم عمقاً في المعرفة السوقية يتجاوز بكثير قراءة رقم في تقرير.
الشراكات الاستراتيجية والتدخلات التنظيمية: قراءة في الإشارات
من أبرز الملاحظات في تقرير «جيه إل إل» هو التحول في سلوك المطورين.
فمع دخول معروض جديد ضخم إلى السوق، يتجه المطورون بصورة متزايدة إلى الشراكة مع علامات دولية مرموقة لتمييز مشاريعهم والحفاظ على زخم المبيعات.
هذا اعتراف صريح بأن حقبة بيع أي منتج لأي مشترٍ قد ولت. فالعَلامة التجارية والجودة والقيمة المعيشية هي ما يحدد اليوم أي المشاريع تنجح.
على الصعيد التنظيمي، تستحق التدخلات الحكومية المنسقة في الربع الثاني من 2026 وقفة تأمل.
فقرار تجميد الإيجارات في أبوظبي خلال يونيو، الذي يحظر رفع الإيجارات على العقود الجديدة والمجددة، ومبادرة الإيجار المرن في دبي التي أطلقت بالشراكة مع كبار المطورين لتتيح دفع الإيجار شهرياً أو فصلياً بدلاً من دفعة سنوية واحدة، كلاهما يعكس التزاماً حكومياً طويل الأمد باستقرار السوق والحفاظ على الشاغلين.
هذه ليست إجراءات تفاعلية، بل تعكس إطاراً استراتيجياً أشمل يضع حماية المستأجر وثقة السوق في صدارة الأولويات.
ولا يقل أهمية عن ذلك ظهور التمويل العقاري المبكر لمشاريع على الخارطة، إذ بدأت بنوك إماراتية عدة تقديم موافقة مبدئية على الرهن العقاري حين يصل المشروع إلى نسبة إنجاز تتراوح بين 30% و40%، ويكون المشتري قد سدد نحو 50% من السعر.
هذا الإصلاح الهيكلي قادر على توسيع قاعدة المشترين القابلين للتمويل وإدخال قدر أكبر من القدرة على التنبؤ في قطاع ظل تاريخياً مهيمناً عليه الشراء نقداً.
الإمارات الشمالية: ظاهرة تعم السوق بأسره
التباطؤ لا يقتصر على دبي وأبوظبي.
فالإمارات الشمالية تمر هي الأخرى بمرحلة انتقال من وتيرة النمو المتسارعة التي ميزت العامين الماضيين.
وقد سجلت الشارقة انخفاضاً بنسبة 30.6% على أساس ربع سنوي في مبيعات العقارات السكنية في الربع الثاني، وإن كانت الأحجام لا تزال أعلى بنسبة 58.6% مقارنة بالربع ذاته من العام الماضي.
أما رأس الخيمة، فقد سجل مؤشر أسعارها السكنية أبطأ نمو فصلي له منذ إطلاق المؤشر في الربع الأول من 2024، بتراجع 0.5% على أساس ربع سنوي، رغم ارتفاعه 5.4% على أساس سنوي.
النمط واضح ومتسق عبر الإمارات السبع: مرحلة التضخم السعري المدفوع بالمضاربة تفسح المجال لسوق يعتمد أكثر على التنفيذ والتسليم، وتحدده جودة المنتج ومعدلات الاستيعاب ومتانة الطلب في مواجهة موجات المعروض القادمة.
ماذا يعني هذا للمستثمر المدرك؟
المشهد الراهن، في تقديري المهني، يمثل أحد أكثر نقاط الدخول إثارة للاهتمام بالنسبة للمستثمر الاستراتيجي في السنوات الأخيرة.
فأسعار قطاع الفخامة لا تزال متماسكة، غير أن المشترين يتمتعون اليوم بقوة تفاوضية أكبر، وشروط دفع أكثر مرونة، ومخزون أوسع من الوحدات الجاهزة.
وقد سلمت دبي أعلى حجم من الوحدات المكتملة في خمس سنوات خلال الربع الثاني من 2026، بنحو 27,000 وحدة.
لمن يسعى إلى امتلاك عقار في أرقى عناوين أبوظبي، بما فيها جزيرة الحديريات التي تشهد نمواً متسارعاً، فإن النافذة مفتوحة.
إن الجمع بين صمود الأسعار وإجراءات الاستقرار الحكومية والبيئة التنظيمية الناضجة يهيئ الشروط المثلى للحفاظ على رأس المال وتنميته على المدى البعيد.
في ناس لكجري للعقارات، نحمل إلى كل صفقة المعرفة والخبرة والوصول إلى السوق الذي يستلزمه هذا المناخ.
إن التحول من العقارات الفاخرة إلى العقارات الفائقة الفخامة ليس مجرد اتجاه عابر، بل هو المعيار الجديد.
ونحن هنا لنكون دليلك في هذا المسار.
المراجع
[1] جيه إل إل، ديناميكيات سوق الإسكان في الإمارات العربية المتحدة، الربع الثاني 2026، جونز لانغ لاسال، 2026.
[2] سافيلز، تقرير السوق السكني في أبوظبي، الربع الثاني 2026، 27 يوليو 2026. متاح على:
[3] بروبرتي سيرش، “مبيعات العقارات السكنية في دبي تنخفض 16% مع دخول السوق مرحلة التبريد”، 4 أغسطس 2026. متاح على:
[4] إيه جي بي آي، “مبيعات العقارات في دبي تتراجع لكن السوق يتجه نحو قيمته الحقيقية”، 21 يوليو 2026. متاح على:
[5] إنتربرايز، “تباطؤ وتيرة نمو أسواق العقارات في الشارقة ورأس الخيمة”، 7 أغسطس 2026. متاح على:


